بقلم: البروفيسور كاظم كازرونيان، عميد كلية التصنيع في جامعة كونيتيكت (2012–2024)۔
في لحظة تتصاعد فيها الإعدامات في إيران بشكل لافت، يبرز نقاش موازٍ لا يقل خطورة: كيف يُعاد تقديم تاريخ المعارضة الإيرانية، وعلى أي أساس تُبنى الأحكام حولها؟
هذا السؤال عاد إلى الواجهة بعد المقابلة التي أجراها الإعلامي Tucker Carlson مع الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية John Kiriakou، والتي تضمنت سلسلة من الادعاءات المثيرة للجدل بشأن منظمة مجاهدي خلق الإيرانية۔
المشكلة لا تكمن فقط في اختلاف التقديرات السياسية، بل في مستوى الدقة التاريخية. فالمقابلة قدّمت روايات تتناقض مع وقائع موثقة، ما يطرح تساؤلات حول خطورة التعامل مع ملفات حساسة دون التحقق من أساسياتها. وفي سياق تتزايد فيه الضغوط الدولية على إيران بسبب سجلها الحقوقي، فإن أي قراءة مغلوطة لطبيعة المعارضة قد تنعكس مباشرة على السياسات الدولية۔
وفق معطيات موثقة، تأسست منظمة مجاهدي خلق عام 1965 على يد مجموعة من المثقفين والطلاب الإيرانيين المعارضين لحكم الشاه، وليس كما طُرح في المقابلة بأنها تأسست على يد شخصين بعينهما. كما أن قياداتها، ومن بينهم مسعود رجوي، انضموا إليها في مراحل لاحقة، في حين جاءت مشاركة مريم رجوي بعد سنوات من تأسيسها. هذه التفاصيل ليست هامشية، بل أساسية لفهم مسار التنظيم وتطوره۔
الأمر نفسه ينطبق على الادعاءات المتعلقة بوجود المنظمة في العراق خلال سبعينيات القرن الماضي. فالسياق التاريخي يوضح أن غالبية قياداتها وأعضائها كانوا في السجون آنذاك، وهو ما يتناقض مع الرواية التي تحدثت عن نشاطات عبر الحدود في تلك الفترة. هذه التباينات تكشف فجوة بين الوقائع التاريخية وما يتم تداوله في بعض المنابر الإعلامية۔
بعد عام 1981، ومع تصاعد القمع الداخلي في إيران، انتقلت المنظمة إلى فرنسا، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى العراق في منتصف الثمانينيات، حيث استمرت حتى ما بعد عام 2003. ثم خضعت لعملية انتقال تدريجية إلى أوروبا، استقرت خلالها غالبية عناصرها في ألبانيا بإشراف دولي. هذا التسلسل الزمني واضح ومتاح، ويشكل مرجعاً أساسياً لأي نقاش جدي حول المنظمة۔
ولا يقل الجدل حول تصنيف المنظمة على قوائم الإرهاب أهمية عن بقية النقاط. فإدراجها في تلك القوائم في تسعينيات القرن الماضي جاء، وفق تصريحات مسؤولين أمريكيين، في سياق اعتبارات سياسية. أما رفع اسمها عام 2012، فقد جاء نتيجة مسار قانوني طويل استمر أكثر من عقد، نظرت خلاله المحاكم الأمريكية في الأدلة المقدمة، قبل أن تصدر قرارها بإجماع واضح. اختزال هذا المسار في روايات مبسطة أو تفسيرات غير دقيقة، يُضعف فهم السياق القانوني والسياسي معاً۔
في المقابل، تأتي هذه النقاشات في وقت تشير فيه تقارير حقوقية إلى تصاعد عمليات الإعدام في إيران، حيث تم تنفيذ أحكام بحق عدد من المعارضين خلال فترة قصيرة، مع استمرار صدور أحكام مماثلة. هذا الواقع يطرح تساؤلاً حول الأولويات: هل يجب أن ينصب التركيز على الجدل النظري حول طبيعة المعارضة، أم على الانتهاكات الجارية على الأرض؟
النقاش حول المعارضة الإيرانية ليس جديداً، لكنه يتطلب قدراً أكبر من الدقة والمسؤولية. فالتعامل مع هذا الملف لا ينبغي أن يقوم على الانطباعات أو التكرار، بل على قراءة موثقة للتاريخ، وفصل واضح بين الحقائق والافتراضات۔
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن طرف أو مهاجمة آخر، بل بالحفاظ على الحد الأدنى من النزاهة في تناول قضايا معقدة تمس شعباً يعيش تحت ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية مستمرة. فحين تختلط الوقائع بالتأويلات غير الدقيقة، لا يتضرر التاريخ وحده، بل تتأثر أيضاً القرارات التي تُبنى على فهمه۔
